1-
ما
معنى الصوفية ومتى وكيف نشأت ؟
جاء فى مقدمة
العلامة ابن خلدون : الصوفية من العلوم الشرعية الحادثة فى الملة ، وأصلها العكوف
على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا ، والزهد فيما
يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه ، والانفراد عن الخلق فى الخلود للعبادة ،
وقد كان ذلك فاشيا فى الصحابة والسلف ، ولما عم الإقبال على الدنيا فى القرن
الثانى وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم "
الصوفية " و " المتصوفة " .
وجاء فى
الرسالة القشيرية ما خلاصته : عرف السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار "
بالصحابة " وعرف أهل العصر الثانى الذين أدركوا الصحابة " بالتابعين " وعرف أهل
العصر الثالث الذين أدركوا التابعين " بتابعى التابعين " وهؤلاء جميعا هم خير
القرون ، ثم قيل لخواص المؤمنين ممن لهم شدة عناية بأمر الدين " الزهاد والعباد "
ثم ظهرت البدع نتيجة لاتساع الفتوحات واختلاط العرب بالعجم ، فانفرد خواص أهل
السنة المراعون أنفسهم مع الله تعالى باسم التصوف ، واختصوا بهذا الاسم قبل
المائتين من الهجرة .
2-
مما
اشتق اسم الصوفية :
يقال رجل صوفى
وللجماعة صوفية ، ومن يتوصل إلى ذلك بالأكتساب والتشبه بهم يقال له متصوف
وللجماعة متصوفة ، وقال بعضهم : التصوف من الصوف وتصوف إذا لبس الصوف كمل يقال
تقمص إذا لبس القميص ، وذلك على اعتبار أن القوم زهدوا ولبسوا الصوف فى الغالب ،
ونسب البعض القوم إلى الصفة التى كانت فى مسجد سيدنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم وكان يجلس فيها فقراء الصحابة وضعافهم من المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى
المدينة وأقبلوا على الله بالطاعات ، وقد أوصى الله بهم رسوله صلى الله عليه وسلم
فقال تعالى ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ريخم بالغداة والعشى يريدون وجهه ولا تعد
عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه
وكان أمره فرطا ) وقد سرت هذه الوصية مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال
: " الحمد لله الذى لم يميتنى حتى أمرنى أن أصبر نفسى مع ناس من أمتى " .
ونسبهم آخرون
إلى الصف لأنهم فى الصف الأول بقلوبهم مع الله . وقال قائلون أنهم منسبون إلى
الصفاء الذى هو ميزة القوم على حد قول القائل :
تنازع الناس
فى الصوفى واختلفوا
قدما وظنوه مشتقا من الصوف
ولست أنحل هذا الاسم غير فتى
صافى فصوفى حتى سمى الصوفى
والأظهر فى اسم
" الصوفية " أنه كاللقب إذ لا يشهد له قياس من حيث العربية .
ويرجح الإمام
السراج الطوسى صاحب كتاب اللمع أنهم منسوبون للصوف كما نسب أصحاب سيدنا عيسى عليه
السلام إلى الحوارى التى كانوا يلبسونها – وهى الملابس البيضاء فقيل لهم
الحواريون .
3 – ما هى غاية الصوفية ؟
تهدف الصوفية
إلى تزكية النفوس وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن بالآداب الإسلامية
الصحيحة والمحبة الخالصة لله والاشتغال به عما سواه لنيل رضاه ، وهو السعادة
الأبدية ، كم تدل على ذلك أقوالهم ، فقد وصف الأمام أبو محمد الحريرى التصوف
بقوله : هو الدخول فى كل خلق سنى والخروج من كل خلق دنى . ووصفه الإمام أبو
القاسم الجنيد فقال : هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به .
ووصفه الإمام
رويم بقوله : التصوف هو استرسال النفس مع الله تعالى على ما يريد . وقال الإمام
الحراز : حقيقة القرب فقد حس الأشياء من القلب وهدوء الضمير إلى الله تعالى .
ويقول سيدى الشيخ على عقل فى ألهامه الفورى المرتجل الذى نقلناه عنه وهو يتحدث عن
نفسه فى الفناء بالله تعالى عن غير الله :
فنيت به من غيره فاستمسكت بالباقيــة
إن
كان جسمى بالفناء سقوفـه متداعيـة
فالروح بعد فنائه فى الخلد شمس سامية
4 – ما هى قواعد التصوف ؟
يقوم التصوف
على قواعد خمس هى : ـ
أولا – محاسبة النفس وصفاؤها :
جاء فى وصف
المتقين فى القرآن الكريم ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله
فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ) . ولا يتأتى هذا الشعور الباطنى
إلا من محاسبة النفس واستشعار خطئها ، وقد جاء فى الحديث النبوى الشريف " حاسبوا
أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم " .
ثانيا : قصد وجهه تعالى :
ولا تخفى
أهمية هذه القاعدة الأساسية ، فإنه لو قصد المرء بعملة الرياء مثلا حبط عمله ،
لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإنما الأعمال بالنيات ، ويقول تعالى فى
القرآن الكريم ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) كما يقول ( ألا
لله الدين الخالص ) وأنزل مدح سيدنا الصديق الحازم الرشيد رضى الله عنه (
وسيجنبها الأتقى الذى يؤتى ماله يتزكى * وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء
وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى ) وامتدح تعالى سيدنا الإمام عليا كرم الله وجهه
وسيدتنا فاطمة الزهراء رضى الله عنها وقصتها معروفة ، وذلك فى قوله تعالى (
ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد
منكم جزاء ولا شكورا ) .
ثالثا : الزهد فى الدنيا :
والزهد عند
الصوفية ليس معناه ترك الدنيا من اليد بل معناه تركها من القلب ، وهم يقولون فى
تعريف الزهد : ليس الزهد ترك الدنيا من يدك وهى فى قلبك ، بل الزهد أن تتركها من
قلبك وهى فى يدك . ولا يخفى أن السادة الصحابة كان منهم أغنياء ولكنهم خدموا
الإسلام بأموالهم ولم تشح نفوسهم ببذلها ، وتقوى ظاهرة : الزهد بجهاد النفس لأنها
بطبعها تجنح إلى المظاهر الكاذبة الخادعة وتستحب العاجل على الآجل .
رابعا : توطيد القلب على الرحمة والمحبة للمؤمنين :
وصف الله تعالى
المؤمنين بأنهم رحماء بينهم ، كما خلع عليهم صفة الأخوة فى قوله : ( إنما
المؤمنون أخوة ) والأخوة تقنضى المحبة والرحمة وهما يقتضيان التعارف والتوادد
والتزاور والفرح بما يسر والتألم بما يضر وجلب المنافع ودفع المضار . وقد كان
حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم يؤاخى بين المهاجرين والأنصار ، وشبه صلوات
الله وسلامه عليه المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم بالجسد إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر .
خامسا : التحلى بمكارم الأخلاق :
وهذه فى الواقع
تجمع القواعد كلها . وقد أثنى الله تعالى على الأنبياء والمرسلين لتحليهم بمكارم
الأخلاق من الصبر والشكر والحلم والصدق وغيرها ، كما وصف حبيبنا المصطفى صلى الله
عليه وسلم بقوله ( وإنك لعلى خلق عظيم ) وفى صيغة الآية من التأكيد ما فيها .
ولا عجب أن
يكون صلوات الله وسلامه عليه قدوة المؤمنين وهو القائل " إنما بعثت لأتمم مكارم
الأخلاق " .